يداً بيد لنبني الوطن

by shamiah / نوفمبر 21, 2017 / 0 comments

يداً بيد لنبني الوطن

إنه من غير المنطقي في سنن التدافع الكونية أن تستطيعَ ثورة شعبية مشتتة ومتفرقة وتعمل ككيانات صغيرة مستقلة متناحرة غير منظمة ولا منتظمة، يتدخل فيها القاصي والداني يأخذها يمنة ويسرة ،لا يوجد فيها رأس يقودها ويرعاها، فكأنما هي القطيع ليس لها راع، يصطاد ويأكل منها الصغير والكبير، القوي والضعيف ،ليس لها هدف، تعزلها الضباع وتمزقها فتضيع في الصحراء ،وتهيم على وجهها هذا إن بقي منها شيء.

لن تستطيع هكذا ثورة تحمل هذه الصفات والمواصفات، أن تسقط نظاماً وحكومةً ومؤسساتٍ، مدعومة من كل جبابرة العالم.

فلابد من بناء جسم يماثل ويحاكي في التنظيم والمؤسسية الضد في الطرف الآخر ليعلو عليه ويرتقي فيسقطه وينتصر عليه .

وهنا لابد من تفعيل دور هذا الكيان الوليد الذي نلمح فيه الخلاص والنجاح ليأخذ بيد الثورة والثوار نحو النصر وبناء الدولة والوطن والإنسان.

إنها الحكومة السورية المؤقتة بوزاراتها ومؤسساتها التي طال انتظارها، لتُنَظِّم ثورتنا وتمثِّلها داخلياً وخارجياً، ولابد أن تعترف بها كل الثورة وكل الثوار بفصائلهم وكياناتهم، لتحصل على اعتراف واسع من كل الشعب السوري الحر، ولتمثّله في المحافل الدولية وتعترف بها كل الدول والأنظمة والمنظمات الدولية والجمعيات العمومية، تناضل وتكافح وتنافح.

إن دور المؤسسات في ظل الحكومة السورية المؤقتة مهم جداً على الصعيد الداخلي والخارجي، فلابد من مأسسة الحراك الشعبي ومجالاته في بناء الدولة الحديثة، وبناء المؤسسات في داخلها لبناء الوطن الذي نطمح ونريد في ظل الثورة السورية، ويجب تفعيل وتوسيع نطاق الإيجابيات فيها وتكثيرها لتطغى على السلبيات فتجعلها تضمحل وتتلاشى تدريجياً، فإصلاح الثورة يبدأ من داخلها، ولا تصلح إلا بموجب نظام ونسق، ضمن منظومة حقيقية، تجبر الكل على الانضواء والدخول فيها، فهي حالة صحية مستدامة طيبة لاتقبل إلا طيبا، وتلفظ الخبائث والأدران من بعض المتثورجين المحسوبين على الثورة ، وتنظِّف نفسها بنفسها، والذي لايريد الانتظام وفق ذلك ويحب العيش بالظلام والعشوائية فيبان عواره وتتكشف مؤآمراته، فيذهب أدراج الرياح لأنه فقاعة لانفع فيها، بل توهم هذه الفقاعة وتخدع الكثيرين، فيبقى ماينفع الناس في ثورتهم ودنياهم وآخرتهم ضمن إطار المؤسسات والحكومة، وينزاح الباطل وينداح. وتعتبر هذه الخطوة أحد أهم الخطوات لإنجاح الثورة وجني ثمارها ومكتسباتها .

وهنا لابد من الانتقال من الحالة العشوائية الغير منتظمة والحرب العبثية والثورة العبثية، ومن العيش في غابة الأدغال الذي تريده وتكرس واقعه العديد من الدول، التي تدعي دعمها وصداقتها للثورة السورية، إلى الحالة المثالية وإلى الصورة اللامعة المرسومة لمابعد الثورة والتي من أجل ذلك ثار الشعب ليحقق طموحاته وأحلامه ليعيش نهضة جديدة يشارك العالم الحر في بناء الإنسان والكون وتقدمه، هذه الحالة المثالية التي تَنْظُمُ هذا العقد الجميل من فصائل الثورة السورية وفعاليات ومنظمات وجمعيات المجتمع المدني الشعبي، ليخرج بجسم واحد وجميل ومنظم ومنضبط وبحلة الدولة والحكومة والمؤسسات الحكومية، التي تنضبط وتنتظم وتنظِّم علاقاتها فيما بينها. وبينها وبين الدول التي تكوِّن علاقات معها بحكومة واحدة وجسم واحد، وأن تتعامل مع الثورة السورية كدولة ولاعب اساسي في الساحة لا كعصابات وميليشيات تقتل بعضها وتدخل في حروب أهلية بينيّة .

نعم لابد من حسن اختيار القائمين على هذه الحكومة ووزاراتها ومؤسساتها ومكاتبها وغيره ، وذلك أن تكون ضمن معايير الثورية والكَفُوْءَةِ والأكاديمية والسيرة الحسنة والوطنية والغير مرتبطة بأجندات والغير مأدلجة أو مسيّرة .

ولنعمل من خلال هذا الجسم الثوري القوي المتماسك وندخل معترك السياسة الخارجية والدولية التي بدورها تمكننا من التفنن في استخدام القوة العسكرية والأمنية.

ومنها ننطلق للعمل على الخط الدبلوماسي الذي أهمل كثيرا في ظل استخدام القوة العسكرية فكان العالم لايرى من الثورة السورية إلا القوة العسكرية والقتل والدمار والتشريد وضراوة الحرب.

لنتخلص من حالة إغراق قوى الثورة في تعزيز حروب الوكالة بدل من خوض معارك تحرير ضمن استراتيجية القوة العسكرية في المسار الاستراتيجي الذي تتبناه الحكومة السورية المؤقتة.

إن استراتيجية العمل في المرحلة الحالية تتحدد فيما يلي  :

أولاً :على الثورة أن تنتقل من الفصائلية إلى التشكيلات المحترفة للعمل العسكري المؤسسي المنظَّم.

ثانياً :على الثورة أن تنتقل من الحزبية العبثية إلى التكوينات أو التشكيلات الناظمة للحراك الثوري.

ثالثاً :على الثورة أن تنتقل من حالة التمرد والعشوائية إلى الشرعية المنظمة ضمن إطار حكومة بوزارات ومؤسسات.

رابعاً :على الثورة أن تنتقل من مرحلة القتال العبثي أو حروب الوكالة إلى معارك التحرير السياسي والعسكري المنظم.

خامساً : على الثورة في ظل الحكومة السورية المؤقتة ، أن تبني علاقات استراتيجية دبلوماسية وسياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، ضمن تحالفات وشراكات ومصالح مشتركة استراتيجية، وتعيد صياغة وتحليل علاقاتها مع كثير من الدول التي تخلت عنها، بل وزادت من تفرقها وخسارتها وتراجعها وكانت عبئاً ثقيلاً عليها .

ويجب أن تدرك الحكومة مفهوم إدارة العلاقات البينية في المجتمع لتكسبه كصف واحد.

ويجب أن نصطلح جميعا فيما بيننا على تحديد الهدف المأمول من الثورة في أذهاننا كحد أدنى يجمع جميع الأطراف في ظل الحكومة السورية المؤقتة، هذه هي مرحلة البداية لكي ننتظم في مشروع موحد يحقق أهداف الثورة وغايتها العظمى.

لانريد أن نفرَّ ونهرب من الواقعية إلى المثالية مباشرة، ولا أن نفرَّ من الواقع إلى المستقبل في قفزة خاطئة.

ولا أن نفرَّ من الواقع إلى التاريخ أو الماضي، يجب علينا فهم واقعنا وإدارته والتعامل معه، ونحسن التوقع للمستقبل ونحسن التموقع في ذلك المستقبل وندرس أساليب الوصول إلى ذلك بواقعية وموضوعية ومؤسسية وعملية.

لذلك يجب بناء فكر مؤسسي يصلح للمستقبل الذي أعيننا عليه كما ويجب أن نعد قيادات تناسب هذا المستقبل،لا أن تعيقه أو لاتحسن التمركز فيه، لأن حسن بناء القدرات وحسن الاستخدام هو فن السياسة وإدارة الدولة ونجاحها ونهضتها .

فقط في ظل الحكومة ووزارة الدفاع، حينما يتم توقيع هدنة أو اتفاقية سلام ، ليس المقصود أن نذهب ونخلد إلى الراحة، بل ليتم بناء قوة للتفاوض القادم هي من يحدده ويديره، هذا ما نريده في اتفاقيات خفض التوتر والتصعيد، ولكي نستفيد من الهدنة وفي ظل الحكومة ووزارة الدفاع، لابد من تفكيك التحالفات التي تكتلت ضد الثورة ومأسستها، وبناء تحالفات حقيقية جديدة وعلى مستوى الداعمين الدوليين،و لكي يتم إفساح المجال لها وإعطائها المساحة اللازمة لنجاحها في عملها .

لم يعد بإمكان الفصائل الثورية العسكرية في ظل ما يجري في المنطقة حالياً من تبدلات وتغيرات، المراهنة على الخارج كثيرا، - وهو الذي مزقها وفرقها - ولم يعد لديها المرونة لاستبدال الحلفاء والانتقال بسهولة من طرف إلى آخر، خاصة بعد أن تباعدت المسافات، وزادت الخلافات، وتعمقت المشكلات بين أطراف المعادلة الإقليمية، فضلاً عن انشغال هذه الأطراف بهمومها، وأولوياتها الخاصة، ليصبح الانتقال بين حليف وآخر، صعب المنال، أو دونه كلفه باهظة لا تملك هذه الفصائل تبعاتها، أويكون مردوده هزيلا، وغير مضمون لا يستحق المغامرة والمجازفة.

بموازاة ذلك، وكامتداد له، فإن  تآكل الرصيد الشعبي للفصائل واقتتالها الدائم فيما بينها وحجبها عن قتال النظام العدو التقليدي وقوات سوريا الديمقراطية العدو الجديد ، على وقع المشكلات الحياتية اليومية، وانسداد آفاق الحل السياسي، وتراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بمعاناة السوريين ، وضع كل الفصائل في عزلة، لم يكن بإلامكان الخروج منها، وتحَمُّل تبعاتِها، ونتائِجها، إلا بمقاربة جديدة كليًا، هي تقديم مصلحة الوطن على مصلحة الفصائل والتشكيلات، والانتقال إلى مرحلة المؤسسات في ظل حكومة شرعية تمثل كل أطياف الشعب السوري الحر .



الحكومة السورية المؤقتة هي منا ونحن منها



بقلم : أ. خالد الإبراهيم أبو ثابت