على مشارف الأستانة

by admin / يناير 17, 2017 / 0 comments

لم يعد خافياً على أحد ما آلت إليه الأوضاع في سوريا الجريحة, وما آلت إليه أوضاع الثورة السورية، فبعد انتصار الثورة على النظام ومن ورائه إيران وحزب الله اللبناني، تدخّل الروس بكل ثِقلِهم من خلال القصف الجوي بأحدث الطائرات, وباستخدام مُختلف أنواع الأسلحة ذات القوّة التدميرية الهائلة، ضدّ المدنيين، واتباع سياسة الأرض المحروقة بعد تدمير جميع المشافي والنقاط الطبّية والبُنى التحتية, والدفاع المدني ومحطّات المياه والأفران وغيرها، فتمكّنوا نتيجةً لذلك من ترجيح الكفّة لصالح ما تبقّى من النظام الذي تدعمه على الأرض إيران وعدد كبير من الميليشيات الطائفية والمُرتزَقة، وغدَتْ سوريا مقسّمة إلى مناطق نفوذ: منطقة في الجنوب مُحاذية للأردن وفلسطين, ومناطق في الوسط, ودمشق يُسيطر عليها النظام والميليشيات, ومناطق في الشمال تحت سيطرة الثوّار في إدلب تمتد إلى جبل الأكراد في ريف اللاذقية, وإلى ريف حماة الشمالي, وريف حلب الغربي والجنوبي, ومناطق اعزاز وما حولها وصولاً إلى جرابلس ونهر الفرات، وهناك مناطق تحت سيطرت الميليشيات الانفصالية pyd وحلفائها, ومناطق تحت سيطرة داعش تحتوي على النفط والغاز ومصادر المياه.

وأصبحت سوريا ميداناً للتنافس وتصفية الحسابات بين قِوى دولية منها دول عظمى ودول إقليمية.

في ظل ما سبق، فنحن كثوّار وأبناء لهذا الشعب الذي قدّم تضحياتٍ غير مسبوقة، نجد أنفسنا مضطّرين للتحرّك ضمن هوامش وخيارات محدودة، نسعى من خلالها إلى تحقيق ما أمكن من مصالح شعبنا وثورته المُباركة، ففي خِضمّ هذا الوضع الدولي المُعقّد ووسط خُذلان تعرّضنا له من مُعظم الأطراف، سقطتْ الكثير من المناطق حول دمشق إمّا عسكريا أو عبر الهُدن والمصالحات، وكان الأقسى في هذا التراجع الميداني سقوط داريّا، ثم سقوط حلب.

لم يعد سِرّاً صعوبة الوضع العسكري للثورة السورية، إزاء الحجم الهائل للقوّة الجوية الروسية، والترسانة العسكرية والبشرية الإيرانية والميليشياوية، إضافةً إلى شحّ الدعم المُوجّه للثوّار مقابل الدعم اللامحدود والجسور الجوية والبرّية والبحرية للأطراف المقابلة.

هذا يستدعي القول: إن الثورة بحاجة إلى قِوى إقليمية مُساندة لها بشكل مباشر لتتمكّن من الاستمرار، والحفاظ على ما يمكن، واسترداد ما تمّتْ خسارته، ومن هنا برزتْ أهمّية التدخّل التركي عبر درع الفرات، فهذه العملية علاوةً على كونها ضرورة مُلحّة للأمن القومي التركي، فهي أيضاً ضرورة مُلحّة للشعب السوري وثورته، كونها تُتيح نواةً لمنطقة آمنة يعيش فيه قسم لا بأس به من أهلنا، وتمنع في الوقت ذاته مشروع التقسيم، الذي تسعى إليه ميليشيات ال pyd الانفصالية، فالمصلحة المأمولة من درع الفرات هي مصلحة مشتركة وعلى القدر نفسه من الأهمية لنا ولأشقّائنا في تركيا فما المانع إذاً؟

لم يعد خافياً أيضاً أنّ سبب خسارة مدينة حلب كان عدم استغلال الفرصة التي كانت سانحة حينها للحفاظ على المدينة وبقاء الثوّار والمدنيين فيها، لكن مُزاودة بعض الأطراف وتأخّرهم في الردّ الإيجابي، ساهم مع الضغط العسكري للنظام وداعمِيه الإيرانيين، الرافضين الذهاب إلى أيّ استحقاق سياسي يُجرِّدهم من احتكار الشرعية والقرار في سوريا، ويحتّم عليهم تنفيذ ما يترتّب عليهم بموجب بنود خطّة عَنان الستة ومقرّرات جنيف1 والقرار 2254، كل ذلك أدّى إلى خسارة المدينة مع ما يترتّب على ذلك عسكرياً وإنسانياً ومعنوياً.

من هذا المنطلق نرى وبالتشاور مع أشقّائنا في تركيا، أنه من الضرورة بمكان لضمان استمرار ثورتنا أن يتوفّر لها هذا الدعم المباشر، والغطاء الذي يدافع عنها وعن حقوق أهلها وأبنائها في المحافل الدولية، فها هم أشقاؤنا سُنّةُ العراق يُذَبَّحون ويُهَجَّرون دون وجود دولة تستطيع أن تُدافع عنهم، حيث نجح الإيرانيون في تحييد الدور السعودي والدور التركي عن مساندة سُنّةِ العراق، بذرائع أهمّها الاتهام بدعم الإرهابيين، وساهموا أيضا بتسهيل تغوّل القاعدة هناك، فوضعوا المجتمع الدولي بين خيارين: إمّا داعش والقاعدة, وإمّا الحكومة المُعترَف بها مهما كانت مواصفاتها حتى ولو كانت طائفية في تركيبتها وفي خطابها المُعلَن, وفي تصرّفاتها العنصرية الدموية مع الشعب العراقي، وهذا بالضبط ما يسعى الإيرانيون إلى تجسيده في سوريا، عبر استنساخ تجربتهم الشيطانية في العراق، حيث يسعون إلى القضاء على اللون الأخضر من الخارطة السورية لصالح النظام أو اللون الأسود، ذلك اللون الذي يُمثّل الجيش السوري الحرّ بما يحظى به من قبول في المحافل الدولية ويبقي للشعب السوري أصدقاء يمكن أن يقدّموا الدعم العسكري والسياسي للشعب السوري الثائر.

والمؤتمر المُزمَع عقده في الآستانة، ليس إلا محطّة نرجو من خلالها التمكّن من الحفاظ على المناطق المُحاصَرة الإحدى والعشرين في سوريا، فنكون بذلك قد نجحنا في إبقاء تلك الجيوب السُنّية، أملاً في رفع الحصار عنها مستقبلاً، أو على الأقل كأوراق ضغط هامة في مسار الحل السياسي، وكذلك فإن الهدنة وخاصة بعد معركة حلب مهمّة لنا، لإعادة ترتيب صفوفنا، ومراجعة أولوياتنا، وأساليب تعاطينا مع الأعداء في شتّى الميادين، ومن هنا كانت رؤية الفصائل أن توافق على المشاركة، وخصوصاً أن ذلك يحقّق مصلحة لأشقائنا ولنا أيضاً, من خلال تحييد الدور الإيراني قدر المُستطاع، والحدّ من تدخّل إيران وهيمنتها على الملف السوري، أملاً في الوصول إلى إخراجها من المعادلة.

ولذلك نرى أن الإيرانيين ومن ورائهم الأوربيون غير راضين عمّا يجري الآن، وكذلك فالأمريكان يميلون إلى كون المشروع الكردي هو الحامل لمشروعهم في المنطقة، ويشارك في عدم الرضى أيضاً بعض الدول الإقليمية، التي تدّعي صداقة الشعب السوري، فهي تسعى للتخريب من خلال أدواتها أيضاً، وفق أجندات تتبنّاها بعيداً عن مصالح السوريين.

والأهم من كل ما سبق ذِكْره وتوضيحه أن الميدان جاهز لِمن أراد أن يتقدّم في الميدان، والنظام مستمر في الخروقات ويحقّ لنا أن نردّ، ويحاول كسب أراضٍ فيحقّ لنا منعه وصدّه وإرجاعه، ولتكنْ معركتنا بمسارين متوازيين ومتكاملين: مسار ميداني عسكري, ومسار سياسي ودبلوماسي تفاوضي، وهذان المساران يعزّز أحدهما الآخر، وعلينا ألّا نلتفتَ لما يُقال زعماً وادّعاءً، بل يجب أن نقرأ الواقع والمحيط والمعطيات، وعلينا أن نفكّرَ بشكل استراتيجي، ونتبصّر بعواقب الأمور، بدل أن نتّخذ قراراتنا بناءً على الخوف من المزاودات، والحرص على السلامة، فهذا ميدان لا يقل عن ميادين القتال، من يحرص فيه على سلامته الشخصية والفصائلية فلن يحقّق شيئاً، وكما تتطلّب المعركة شجاعة وتضحيات، فالسياسة تتطلب شجاعة وتضحيات أكثر، فلم نجد بين المُمْتنِعِين أبداً مَنْ كان قراره مبنيّاً على مبرّرات منطقية، بل كان المانع دائماً مداراة الناس والخوف من المزاودات، ولأسباب داخلية، تغلب فيها المصلحة الضيّقة على المصلحة العامة، والتاريخ يعيد نفسه فقد حدث هذا سابقاً في المواقف من جنيف، بينما نرى الجميع اليوم يطالبون بمقرّرات جنيف وبتطبيق القرارات الدولية.

نسأل الله أن يُلهمَنا رُشدَنا, ويُبصِّرَنا بحالنا ومآلنا, ويرزقنا الحكمة والسداد في القول والعمل.

 

 

 

المكتب السياسي في الجبهة الشامية